الشيخ محمد هادي معرفة

362

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأخيرا قال : واعلم أنّ لطائف الاعتبارات المرفوعة لك في هذا الفن ، من تلك المطامح النازحة من مقامك لاتثبتها حقّ إثباتها ، مالم تمتر بصيرتك في الاستشراف لما هنالك أطياء المجهود ، ولم تختلف في السعي للبحث عنها وراءك كلّ حدّ معهود . . . وعلماء هذه الطبقة الناظرة بأنواع البصائر ، المخصوصون بالعناية الإلهية المُدلّلُون بما أوتوا من الحكمة وفصل الخطاب . على أنّ كلام ربّ العزّة - وهو قرآنه الكريم وفرقانه العظيم - لم يكتس تلك الطلاوة ، ولا استودع تلك الحلاوة ، وما أغدقت أسافله ، ولا أثمرت أعاليه ، وما كان بحيث يعلو ولا يعلى ، إلّا لانصبابه في تلك القواليب ، ولوروده على تلك الأساليب . « 1 » وقيل - زيادة على ما مرّ - : إنّ من لطائفه التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة عنه سبحانه ، وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته ، وقيام حجاب العظمة عليهم ، فإذا عرفوه بما هو أهله وتوسّلوا للقرب بالثناء عليه ، وأقرّوا له بالمحامد ، وتعبّدوا له بما يليق بهم ، تقرّبا إلى ساحة قدسه الكريم ، فعند ذلك تأهّلوا لمخاطبته ومناجاته عن حضور ، فقالوا : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . « 2 » حدّ الالتفات وفائدته هو عند الجمهور : التعبير عنه بطريق من الطرق الثلاثة ( التكلّم والخطاب والغيبة ) بعد التعبير عنه بطريق آخر منها . وعمّمه السكاكي إلى كلّ تعبير وقع فيما حقّه التعبير بغيره ، حسب ظاهر السياق . كالتعبير بالماضي في موضع كان حقّه الاستقبال أو الحال . أو وضع المضمر موضع المظهر أو العكس . ونحو ذلك ممّا يتحوّل وجه الكلام فُجأةً على خلاف السياق . « 3 » وفائدته العامّة هي تطرية نشاط السامع وصيانته عن الملل والسآمة ، لما جبلت

--> ( 1 ) - مفتاح العلوم ، آخر الفن الثاني من علم المعاني ، ص 95 - 98 . ( 2 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 382 . ( 3 ) - أنوار الربيع ، ج 1 ، ص 362 ؛ والمثل السائر ، ج 2 ، ص 171 .